حيدر حب الله

116

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

والرياضيات والمنطقيّات والطبيعيّات ، بعد أن خرجت العلوم الاعتباريّة - كاللغة - عن دائرة الفلسفة في العصر الإسلامي ، وقد كانت في العصر اليوناني ، كما يراه غير واحد من مؤرّخي الفلسفة ، جزءاً من الدرس الفلسفي . أمّا اليوم ، فنحن نجد مختصّين بمجال المنطق دون أن يكونوا على تماس تخصّصي بمجال فلسفة الوجود ، والعكس صحيح ، كما أنّ المنطقيات قد بدأت تُفصل تدريجيّاً عن الفلسفة منذ عصر صدر المتألّهين الشيرازي إلى اليوم . من هنا ، يمكن لنا أن نقول بأنّ دراسة المنطق إنّما تكون ضروريّةً لطالب الفلسفة من حيث وجود بعض التداخل بين فلسفة الوجود وبين المنطقيّات ، كما يُنصح بدراسة المنطق كونه يسهّل فهم الكثير من المصطلحات التي تمرّ في الدرس الفلسفي بطريقة عفويّة ، يُفترض معها أنّها مفهومة مسبقاً من الدرس المنطقي نفسه . وعليه ، فإذا أردنا أن نتعامل مع الفلسفة الوجوديّة القائمة في العالم الإسلامي فإنّ من الجيّد والأفضل ، بل من الضروري في بعض المجالات ، أن تكون هناك معلومات مسبقة منطقيّة ، لا سيما في مجال تفكيك المفاهيم وشرح المصطلحات وأنواع القضايا والأقيسة وما شابه ذلك ، فإنّ ذلك يسهّل - بل ويصحّح - عملية فهم كلام الفلاسفة ويجلي المنطلقات وطرائق التفكير عندهم بدرجة معيّنة . وإلا فيمكن القول بأنّه لولا هذا التواشج الذي ما يزال قائماً لأمكن فهم المعطيّات الفلسفيّة دون حاجة لدراسة المنطق . نعم الخروج بنتائج فلسفيّة أو الاجتهاد الفلسفي أمرٌ غير ممكن من دون بناء منطقي مسبق عند الباحث نفسه ؛ لأنّ المنطقيّات تلعب دور البناء المعرفي والمنهجي في عملية التفكير الفلسفي .